ابن ميثم البحراني

39

شرح نهج البلاغة

ذلك فيما يفعله القاري بأوراق المصحف من فتحها مرّة وطبقها أخرى ولم يكن حسن التشبيه لكونه جامعا بين مختلفين بل لحصول الاتّفاق بينها من ذلك الوجه ولأجل اجتماع الأمرين أعني الاتفاق التامّ والاختلاف التامّ كان حسنا وممّا يناسب ذلك في كونه جامعا بين المختلفين محاولة الشاعر جعل الشيء سببا لضدّه كقوله : أعتقني سوء ما صنعت من الرقّ * فيا بروزا على كبدي فصرت عبدا للسوء فيك * وما أحسن سوء قبلي إلى أحد الركن الثالث في غرض التشبيه - إنّه إمّا أن يكون عائدا إلى المشبّه ، أو إلى المشبّه به أمّا الأوّل فقد يكون غرضه بيان الحكم المجهول وقد لا يكون أمّا الأوّل فإمّا أن يقصد بيان إمكانه عندما لا يكون بينّا فيحتاج إلى التشبيه لبيانه كقوله : فإن تفق الأنام وأنت منهم * فإنّ المسك بعض دم الغزال فإنّ مقصوده أن يقول إنّ الممدوح فان الأنام حتّى لم يبق بينهم وبينه مشابهة بل صار أصلا بنفسه ولمّا كان هذا في الظاهر كالممتنع إذ يبعد أن يتناهى إنسان في الفضائل إلى أن يخرج من نوعه احتجّ لدعواه بأنّ المسك وإن كان بعض دم الغزال في أصله فقد خرج عن صفة الدم وحقيقة حتّى صار لا يعدّ دما ، وإمّا أن يقصد بيان مقداره كقولك للشيء الأسود إنّه كحلك الغراب فإنّ المقصود من هذا التشبيه بيان مقدار السواد في الحلوكة لا إمكان وجوده ، وأمّا الثاني وهو أن لا يكون غرضه بيان حكم مجهول فقد يكون غرضه أحد أمرين أحدهما نقل النفس من الغريب إلى القريب لأنّ ألف النفس مع الحسيّات أتمّ من العقليّات لتأخّر كثير من العلوم العقليّة عن الحسيّة فإذا ذكرت المعنى العقليّ الجبليّ ثمّ عقبّه بالتمثيل الحسي فقد نقلت النفس من الغريب إلى الغريب ، الثاني أن يقصد المباعدة بين المتشابهين لأنّ التشابه به حينئذ يكون أغرب فيكون إعجاب النفس بذلك التشبيه أكثر لأنّ شعف النفس بالغريب الَّذي لم يعهد أكثر من المألوف المعتاد ، وأمّا الأغراض العائدة إلى المشبّه به فقد يقصد المادح على طريق التخييل أن يوهم في الشيء القاصر عن نظيره أنّه زائد عليه ويشبه الزائد بذلك الناقص يقصد به إعلاء شأن ذلك الناقص أي هو بالغ إلى حيث صار أصلا للشيء الكامل في ذلك الأمر كقوله .